بقلم: محمد عبد الباسط 
قصة قرآنية بليغة غاية في الروعة والبيان من سورة" الصافات"  تحكي قصة تمر على أذهاننا كثيرا ولا نتذكرها مع نفحات موسم حج بيت الله الحرام, إنها قصة رجل بلغ من العمر السادسة والثمانين , أحاطت به ابتلاءات عديدة على مدار عمره بدءا من الإلقاء في النار , ثم برحلاته لنشر دين الله وما تخلل تلك الرحلات من مواقف عصيبة ومخاطر عديدة , حياة مليئة بالكد والتعب والنصب والتنقل والترحال , لا راحة وسط بساتين أو قصور أو عيش رغيد , وفي تلك الرحلات يطمح  المرء بعضد يسانده ولاسيما من صلبه الذي سوف يتحمل تلك الأمانة من بعده , في خضم تلك الخواطر والأفكار ؛ تمر السنون حتى يبلغ الخليل إبراهيم عليه السلام هذا المبلغ من العمر , وإذا برحمات الله الكبير المتعال تحل , فتنزل على هذا القلب الكريم الذي ليس له ولد , وقد جاوز المائة ؛ لتطيب خاطره بغلام غاية في السمو الخلقي , وفيه جميع المقومات التي تجعل أبوه يخشى عليه من نسيم الليل , ويحبه حبا جما , ويرى فيه نفسه , إنه (الذبيح إسماعيل ) – عليه السلام - .

هذا النبي الكريم تعرض في هذا الموقف لتحديات جسام , تظهر ناصعة في قمة إيمانه بتصديق رؤيا في منامه تحمل أمر الله له بذبح ابنه , ليس هذا فقط بل يتولى هو بنفسه تلك المهمة , إيمانا منه بتلك الإشارة من وحي وليست بالأمر المباشر في اليقظة  .

من أراد أن يشعر بصعوبة هذا الموقف على النفس, فليجريه على نفسه , ويتفكر في هذه اللحظات البالغة الروعة من الخليل – عليه السلام – لو أنه تعرض لهذا الموقف ما عساه أن يفعل حينها ؟ ابنه , وفلذة كبده , ووحيده الذي ينتظره على مدار قرن من الزمان تقريبا يذبح أمام عينيه , ومتى ؟ حين يبلغ مراحل الشباب الأولى وقد أصبح قادرا على العمل , عاشره في طفولته وكبر أما عينيه وأحس بتلك النعمة شيئا فشيئا , فلم تكن تلك الرؤيا في بداية مولده ,  لك أن تتخيل معي لو أن من بيننا من يعرف بالتقى والصلاح , ورأى النبي صلى الله عليه وسلم في رؤيا يقول له فيها إن الله يأمرك بذبح ابنك , فما ظنك بموقفه ؟

 إن ابتلاء الخليل من نوع شديد المحنة على النفس يذبح ابنه بيده, ليته أرسله فاستشهد في معركة , أو مات في تجارة لكان هذا هينا على النفس بعض الشيء ,  لكن أي اختبار هذا  الذي وضع فيه أبو الأنبياء عليه السلام , لقد لبى بلا ضجر أو غضب , بل مطلق الطاعة والتسليم والرضا لأمر الله , وتظهر قمة الروعة في إخباره لابنه بهذه الرؤيا ؛ حتى يدع الفرصة لوليده الوحيد أن يقرر مصيره, وكأن الأمر شيئا هينا , أمر جاء لابد من تنفيذه بلا تردد وببساطة  . لكن الفتى لم يكن موقفه بأقل جسارة وشجاعة ويقين في الله من أبيه , تلقى أمر خروجه من هذه الحياة بمنتهى الوداعة والتسليم كأن حياته لن تنتهي من على البسيطة بعد ساعات , كأن وجوده على الأرض لم يكن أصلا , كأن متع الحياة لاتهمه , كأن أمله في مستقبله لا يشغله , كأن طموحه في ميراث أبيه من النبوة لا يطرأ على ذهنه بحال من الأحوال . إن الهم هو إرضاء الخالق "رحمة الله عليكم وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد) "هود : 73.

فأهم ما يستشرفه القلب من هذا الدرس القرآني الرضا بقضاء الله , فهو من أهم العبادات التي يثيب الله عليها عبده المؤمن , فقد قال رسولنا الكريم صلى اله عليه وسلم : "وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا,  ومن سخط فله السخط" رواه الترمذي وحسنه الألباني ويقول أيضا " مايزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه , وولده , وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة " صححه الألباني .ولئن كان هذا الصبر على المحنة من خليل الرحمن نابعا من كونه من أولي العزم من الرسل ؛ فإنه لايثني ولا يفتر من عزيمة المؤمنين من تحمل الشدائد ويقوي عزائمهم في التضحية وتحمل الابتلاءات والتبعات .

ومن الدروس الملحة التي كثيرا ما نحتاج إلى تمثلها " التضحية " التي سلم لها قلب أبو الأنبياء, والسؤال الذي يتبادر للذهن لأول وهلة : هذا ماقدم السابقون من تضحيات , فما قدمنا نحن لدين الله ؟ لم يطلب منك أخي أن تذبح ولدك , ولا أن تفارق زوجك , ولا أن تلقيهم في الصحراء  , ولا أن تلقى في النار . لكن ماتراه من واقع الأمة  يدمي القلب,  ويحتاج لنفس تضحي بفضل وقتها , ومالها , وكلماتها المؤثرة المخلصة, وتحركها بدينه لنقله للناس خطابا معتدلا وسطيا , وللأسف أنها أمور متاحة للكثير لكن الركون للدنيا وطول الأمل والاهتمام بسفاسف الأمور  عائق جسيم دون تحول الأمة للحضور المطلوب والعودة لسابق عهدها وعصورها الذهبية المجيدة بسبب أننا لانعطي لديننا على الأقل فضل أوقاتنا .
وأخيرا أيها الأحباب أن الصدق مع الله هو النجاة الحقيقية , فإن الخليل عليه السلام لما صدق مع الله أبقي الله له ولده , وإن تقديم محبة الله على محبة المحبوب لهي من أعظم القربات عند الله عز وجل . فهيا أجعل من تلك العبرة مولد جديد لك مع الله, تحيي بها قلبك, وينشط بها عزمك, وتقبل بها على ربك .
وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .    

0 تعليقاتكم:

Post a Comment